للمشارکة أدخل بريدک الإلکتروني.
 
 
تاريخ الإنتشار : الاثنين 11 ديسمبر 2017 ساعة 10:55
Share/Save/Bookmark
القدس في وجدان المغاربة: قضية وطنية
القدس في وجدان المغاربة: قضية وطنية
 
 
الرباط (اسلام تايمز) - عادت المشاعر الحماسية بشأن القدس وفلسطين إلى وجدان المغاربة، عقب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب القدس عاصمة لإسرائيل، والتحضير لنقل سفارة واشنطن إلى هذه المدنية المحتلة من طرف الكيان الصهيوني، لينفض المغاربة الغبار عن علاقتهم التي أصابها بعض "الفتور" إزاء القدس وملف فلسطين.
 
على المستوى الشعبي، نظمت جمعيات المناصرة للحق الفلسطيني في المغرب مسيرات رافضة لقرار الإدارة الأميركية، وهو أمر غير جديد على المغاربة الذين عُرفوا خلال سنوات مضت بالمسيرات التي توصف بالمليونية كلما أصيب الفلسطينيون بكرب أو طالهم اعتداء من طرف القوات الإسرائيلية.

أما على المستوى الرسمي، فقد بادر العاهل المغربي الملك محمد السادس قبيل الإعلان عن قرار ترامب إلى اتخاذ بعض الخطوات، من قبيل رسالته المفتوحة التي وجهها إلى الرئيس الأميركي يحذره من مغبة تداعيات قرار اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، كما تم استدعاء سفراء بلدان مجلس الأمن الدولي، إضافة إلى خطوات أخرى قام بها الملك المغربي بصفته رئيساً للجنة القدس منذ سنوات خلت.

ويثني الناطق الرسمي باسم الحكومة المغربية، مصطفى الخلفي، على الموقف الرسمي للمملكة حيال قضية القدس، مؤكداً أن "المغرب ارتقى بفلسطين إلى مرتبة قضية وطنية، ويعتبر ما يمسها يمس البلاد، وما يؤذيها يؤذي البلاد"، وبأن "المغرب لم يتخل أبداً عن فلسطين وملف القدس، بدليل الهبات الشعبية والخطوات الرسمية التي يتخذها الملك بنفسه".

في مقابل ذلك، يلمس مراقبون أن قضية فلسطين والقدس في الوجدان المغربي لم تعد بذلك الوهج الذي كانت عليه في سنوات مضت مثل الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، إذ كان يخرج المغاربة بالآلاف والملايين نصرة للقضية، اليوم بات الشارع يكتفي بمسيرات محتشمة تناصر الفلسطينيين، كما أن همّة السياسيين المغاربة فترت، وانغمسوا في صراعات السياسة والسلطة.

لا يوافق الخبير المغربي الدكتور إدريس الكنبوري على وجهة النظر هذه، ويقول إن المغرب "رغم بعده عن منطقة الشرق الأوسط، إلا أنّ القدس وفلسطين بشكل عام تحتلّ موقعاً كبيراً في وجدان المغاربة، الذين ارتبطوا بالقدس منذ قرون، وكانوا يقصدونها في رحلتهم إلى الحج، وهناك مغاربة جاهدوا في القدس منذ زمن صلاح الدين الأيوبي، وما زال باب المغاربة وقبورهم هناك دليلاً على هذا، كما أن للمغرب أوقافا في مدينة القدس".

ويضيف الكنبوري أنه "عندما تعرّض المسجد الأقصى للحريق عام 1969، احتضن المغرب قمة لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وتم إنشاء لجنة القدس وتولى المغرب رئاستها منذ ذلك الحين إلى يومنا هذا، وهو ما يدلّ على أن لمدينة القدس مكانة متميزة لدى المغرب الرسمي والشعبي معاً".

وينفي الخبير أن يكون هناك فتور في علاقة المغاربة بالقدس وفلسطين، قائلاً "ردود الفعل اليوم ضدّ القرار الأميركي دليل على أن المغاربة يعتبرون القدس مدينة مقدسة، والمشاركة في المسيرات الوطنية حول فلسطين دليل على احتضان المغاربة لهذه القضية، وهو ما عبّرت عنه الحركة الوطنية منذ وقت مبكر حين اعتبرت أن القضية الفلسطينية قضية وطنية".

ولكن الكنبوري يلمس فتوراً بشكل عام تجاه فلسطين في المنطقة العربية ككل، بسبب عوامل كثيرة، "منها كثرة الأزمات التي تصرف أنظار المواطنين عن قضية القدس وفلسطين، ومنها الفتور الإعلامي في التعامل مع القضية، ثم هناك حالة من اليأس من المواقف العربية الرسمية المتتالية تجاه موضوع القدس، بحيث أصبح هذا الموضوع يتسم بنوع من الروتين، وهذه استراتيجية إعلامية دولية من أجل تحويل القدس إلى قضية عادية يتم التعامل معها بالشكل نفسه الذي يتم فيه التعاطي مع الأزمات وبؤر التوتر العادية".

وإذا كان المغرب قد بادر إلى رفض نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس والاعتراف بها كعاصمة أبدية لإسرائيل، باعتبار المملكة رئيسة للجنة القدس، المنبثقة عن منظمة التعاون الإسلامي، فإن محللين يرون ضرورة أن تتجاوز الرباط ذلك إلى التحرك الدبلوماسي المباشر".

يؤكّد الخبير في العلاقات الدولية، الدكتور محمد عصام لعروسي، في هذا الإطار، أنه "يتعيّن على المغرب استخدام آليات الدبلوماسية الجماعية ومناشدة المنظمات الدولية والإقليمية، عبر اللجوء إلى الأعضاء الخمسة الدائمين لمنظمة الأمم المتحدة واستغلال التناقض في المواقف بين الدول الكبرى خصوصاً روسيا والصين".

ويرى لعروسي أن "هذا النهج يتماشى من الناحية الدبلوماسية مع قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة بوضع القدس التي تندرج ضمن قضايا الوضع النهائي، وهو ما يقتضي الحفاظ على مركزها القانوني، والإحجام عن كل ما من شأنه المساس بوضعها السياسي وضرورة احترام رمزيتها الدينية والحفاظ على هويتها الحضارية العريقة".

ويلفت الخبير إلى أن "المغرب ظلّ متمسكاً برئاسة لجنة القدس رغم اعتراض بعض الدول العربية على ذلك، نظراً للبعد التاريخي للقدس ورمزيتها بالنسبة للمغرب وعدالة القضية الفلسطينية، وذلك رغم غياب التأثير المغربي الكبير في الخلافات العربية البينية على مستوى جامعة الدول العربية، بعدما أيقن عدم جدوى العمل العربي المشترك وخصوصاً بعد مرحلة الربيع العربي، وتناقص الاهتمام بالصراع العربي-الإسرائيلي وتعرّض المنطقة العربية لتحولات جيوسياسية غير مسبوقة وهيمنة الصراعات المسلحة".

ويعتقد لعروسي أن "المغرب سيحاول توظيف كل الأدوات الدبلوماسية والحوار البنّاء للحفاظ على الطابع الديني والتاريخي للقدس، بما في ذلك الدبلوماسية الموازية وغير الرسمية من تحرّك فاعلي المجتمع المدني من برلمان ومنظمات غير حكومية ودبلوماسية شعبية على غرار التظاهرات والمسيرات الشعبية الضاغطة، وأيضاً فتح قنوات التواصل مع الجهات المؤثرة في صانعي القرار بالعواصم العالمية وخصوصاً في الولايات المتحدة الأميركية".

ويضيف لعروسي أنّ "المغرب يترجم قوة الدول المتأرجحة أو الصاعدة التي بإمكانها تغيير بعض سمات عدم التوازن الاستراتيجي في مناطق التوتر، كما هو حال القضية الفلسطينية التي تعرف منعطفاً خطراً في ظل وجود تحالفات إقليمية جديدة تنأى بإسرائيل عن اعتبارها العدو الأول للأمة العربية كما كانت في السابق".
 
رقم: 689194