للمشارکة أدخل بريدک الإلکتروني.
 
 
تاريخ الإنتشار : الأربعاء 28 مارس 2018 ساعة 19:40
Share/Save/Bookmark
عبقات من سيرة الإمام الجواد عليه السلام
عبقات من سيرة الإمام الجواد عليه السلام
 
 
(اسلام تايمز) - يصادف يوم العاشر من رجب ذكرى مولد الإمام محمد بن علي الجواد التاسع من ائمة اهل البيت عليهم السلام وبهذه المناسبة السعيدة نستعرض بعض المحطات من حياته الشريفة.
 
تميز الامام الجواد عليه السلام بأنه تولى مسؤولية الامامة بعد استشهاد ابيه الامام علي بن موسى الرضا عليه السلام على يد المأمون العباسي، و هو لم يتجاوز 8 سنوات من عمره الشريف كما انه استشهد، و هو مايزال في ريعان الشباب ايضا حيث لم يتجاوز عمره الشريف 25 عاما.

و رغم قصر عمره الشريف الا ان حياته كانت حافلة بالتطورات و زخرت بالعطاء العلمي و نشر معارف اهل البيت عليهم السلام و بيان فضلهم على من سواهم حتى رزقه الله الشهادة فقتل مسموما على يد زوجته ام الفضل بنت المأمون بتحريض من عمها المعتصم العباسي و التحق بآبائه الطاهرين في آخر ذي القعدة عام 220 هـ و دفن في بغداد الى جوار جده الإمام السابع موسى بن جعفر عليهما السلام.

و قبل مولده الشريف كان الشيعة ينتظرون بفارغ الصبر ولادته من أبيه الإمام الرضا عليهما السلام ، و ذلك لعلمهم بهذا الأمر، اذ تجاوز عمره الشريف أكثر من أربعين سنة و لكنه لم يرزق ولداً بعد، و كان يجيب حين يسأل عن وارثه: "إن اللّه سوف يرزقني ولداً يكون الوارث لي و الإمام من بعدي".

و أزالت ولادة الإمام عليه السلام القلق من قلوب اتباع اهل البيت عليهم السلام حيث كان يحزنهم أن لايكون للإمام الرضا عليه السلام خليفة.

و تميز عصر الإمام الجواد عليه السلام بوجود المأمون على كرسي خلافة بني العباس الذي اشتهر بالدهاء و أساليب التحايل التي تبطن العداء و تظهر المودة لاتباع اهل البيت و على رأسهم الامام الجواد عليه السلام.

و من سبق المأمون في الحكم كانوا يواجهون الأئمة عليهم السلام وأتباعهم باساليب البطش و الحديد و النار و قد رأى بعينه كيف كان أبوه هارون الرشيد يتعامل مع الشيعة بكل قسوة لكنه علم أن هذا الأسلوب من التعامل معهم و أئمتهم لن يزيدهم إلا قوة و تمسكاً بخطهم و ظهرت بوادر تشير الى زعزعة اركان حكم بني العباس لذلك اختار اسلوب التعامل بدهاء و مكر يبطن القسوة و النار للحفاظ على كرسي سلطانه من الثورات التي اشتدت في ارجاء عديدة من العالم الاسلامي ضد حكم بني العباس المزيف بقرابة الرسول الاكرم (ص) بعد ماتبين للناس حقيقة اجرامهم.

خطة المأمون

ارتكزت خطة المأمون مع اتباع اهل البيت عليهم السلام على محاولة تضعيف الفكر الشيعي و الطعن به من الداخل بشكل يحدث زلزالاً في صميم عقائدهم فيقضي عليهم بشكل لا تقوم لهم قائمة بعده. و قد لاحظ أن الإمامة هي الحصن الأساسي لهذا الفكر. من هنا كانت محاولاته ترمي لتحقيق مايلي:

1 - محاولة تحطيم عقيدة الشيعة بعصمة الإمام عليه السلام من خلال استدعائه إلى دار الخلافة و إرغامه على العيش في القصور لاسقاط شخصيته الثورية.

2 - شن هجمات متتالية على شخصية الإمام العلمية عبر عقد المناظرات مع أبرز العلماء الذين تصل يده إليهم بحضور رؤساء القوم و أشرافهم بغية وقوع خطأ أو توقف في الرد من قبل الامام فيحصل مراد المأمون.

3 - و في النهاية اذا باءت كل محاولات السلطان السابقة في تحطيم فكرة الإمامة فهو على الأقل سيضمن إبقاء الإمام إلى جانبه و عكس صورة للناس بانه كسائر اتباعه ممن يعيشون في القصور فيتحول الشيعة من معارضين إلى اتباع ايضا.

4- شكلت عقيدة الشيعة بالتقية و الخفاء تحد حقيقي لسلطان بني العباس ، لذلك فان استدعاء الامام الجواد من مدينة جده الرسول الاكرم (ص) الى بغداد ليكون قريبا من المأمون و تحت اشرافه المباشر طيلة الليل و النهار ما يسمح له برصد نشاطاته و اتصالاته و بالتالي الحد من مخاطر المعارضين من اتباع اهل البيت عليهم السلام و ضمن استمراره في الحكم بأمان و راحة بال.

و كان المأمون قد واجه والده الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام بذات الاسلوب و السياسة نفسها و لكن سياسته باءت بالفشل الذريع و لم يستطع أن يسجل موقفاً واحداً على الإمام يستطيع أن يستفيد منه في خطته هذه إلى أن فقد الأمل و وجد أن الدّفة تميل لغير صالحه و أن الإمام الرضا عليه السلام، و بسبب هذه المناظرات و المواقف الحازمة انتشرت شهرته في البلاد و حبا شديداً بين العباد، و شيعته تزداد يوماً بعد يوم، فلم يبق أمامه إلا حل واحد و هو التخلص من وجوده الشريف فدس له السم فاستشهد الامام عليه السلام ودفن في ارض خراسان /مدينة مشهد حاليا الواقعة بشمال شرق ايران/.

و في هذه الظروف و الأجواء انتقلت المواجهة إلى الإمام الجواد عليه السلام و كان له من العمر ما يقارب ثمان سنوات، و عندها وجد المأمون نفسه في مواجهة الإمام الذي ما يزال صغيرا في عمره، فتجدد أمله بتحقيق مخططه باستخدام اسلوبه القديم، فإن من يواجهه ليس الإمام الرضا عليه السلام بل هو ابنه الصبي الذي لم يبلغ الحلم، و من كان في عمره عادة يعجز عن مناظرة كبار العلماء أو الصمود أمام مغريات السلطان و دار الخلافة بكل ما فيها، من هنا كانت خطة المأمون في استدعاء الإمام الجواد عليه السلام إلى بغداد.

الإمام الجواد عليه السلام يحبط مخططات المأمون

أدرك الإمام الجواد عليه السلام سياسة المأمون منذ اللحظة الأولى التي وطأت قدماه بغداد، و جابهها بكل قوة غير آبه بقوة السلطان و زخارف ملكه و محاولات استمالته من اجل احتواءه و قد تضمن ذلك محطات رواها التاريخ منها:

1 - على الصعيد العلمي، هيأ المأمون للمناظرات بين الإمام الجواد عليه السلام و بين قاضي قضاة الدولة العباسية يحيى بن أكثم المعين من قبله و المقرب منه بحضور حشد كبير من الفقهاء و العلماء و الامراء و الوجهاء، في صالة كبرى بقصره في بغداد و طلب المأمون من ابن اكثم اعداد سؤال يعجز عنه جميع الفقهاء و العلماء فضلا عن صبي لم يتجاوز عمره الشريف 9 اعوام حيث قال «اطرح على أبي جعفر محمد بن الرضا عليه السلام مسألة تقطعه فيها» و قد فكر يحيى بن اكثم كثيرا قبل فترة طويلة حيث كان يعد نفسه للمناظرة التي أمل فيها ان يقترب من الخليفة بعد اظهار عجز الامام عن الجواب امام الملأ العام.

و حان موعد المناظرة و النقاش بحضور زعماء القوم و عليه الاشراف و الوجهاء فسأل يحيى الامام الجواد عليه السلام: ما تقول جعلت فداك في محرم قتل صيدا؟.

فتبسم الامام عليه السلام بالرد عليه في ان هذا السؤال ناقص و ينبغي اكماله فتلجلج لسان ابن اكثم فاوضح الامام السؤال و أكمله:

"هل قتله في حل أو حرم، عالما كان المحرم أو جاهلاً، قتله عمداً أو خطأً، حراً كان المحرم أو عبداً، صغيراً كان أو كبيراً، مبتدئاً بالقتل أو معيداً، من ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها، من صغار الصيد أم من كبارها، مصراً على ما فعل أو نادماً، في الليل كان قتله للصيد أم في النهار، محرماً كان بالعمرة إذ قتله أو بالحج كان محرماً؟".

فتحير يحيى بن أكثم و بان في وجهه العجز و الانقطاع و لجلج حتى انكشف فشله و احباطه امام كبار القوم و العلماء.

ثم شرح الإمام عليه السلام بعد ذلك تفصيل هذه المسائل قائلاً:

"إن المحرم إذا قتل صيداً في الحل و كان الصيد من ذوات الطير، و كان من كبارها، فعليه شاة، فان أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً، و إذا قتل فرخاً في الحل فعليه حمل قد فطم من اللبن، و إذا قتله في الحرم فعليه الحمل و قيمة الفرخ، فإذا كان من الوحش و كان حمار وحش فعليه بقرة، و إن كان نعامة فعليه بدنة، و إن كان ظبياً فعليه شاة، و إن كان قتل شيئاً من ذلك في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً هدياً بالغ الكعبة. و إذا أصاب المحرم ما يجب عليه الهدي فيه، و كان إحرامه بالحج نحره بمنى، و إن كان إحرامه بالعمرة نحره بمكة، و جزاء الصيد على العالم و الجاهل سواء و في العمد عليه المأثم و هو موضوع عنه في الخطاء، و الكفارة على الحر في نفسه، و على السيد في عبده، و الصغير لا كفارة عليه، و هي على الكبير واجبة و النادم يسقط ندمه عنه عقاب الاخرة و المصر يجب عليه العقاب في الاخرة".

و كان من اثار هذه المناظرات أن انتشر فكر اهل البيت عليهم السلام و شاع و بانت قوته و متانته و علوّه، فانقلب السحر على الساحر.

2 - و أما من جهة العصمة، فقد حاول المأمون الطعن بها و تسجيل و لو خطأ واحد على الإمام الجواد عليه السلام ، و بذل لذلك كل ما أمكنه، فعن محمد بن الريان قال: «احتال المأمون على أبي جعفر عليه السلام بكل حيلة فلم يمكنه فيه شي‏ء فلما أراد أن يبني عليه ابنته دفع إلى مائة وصيفة من أجمل ما يكنّ إلى كل واحدة منهن جاماً فيها جوهر يستقبلون أبا جعفر عليه السلام إذا قعد في موضع الختان، فلم يلتفت إليهن، و كان رجل يُقال له مخارف صاحب صوت و عود و ضرب، طويل اللحية فدعاه المأمون فقال: يا أمير المؤمنين إن كان في شي‏ء من أمر الدنيا فأنا أكفيك أمره، قعد بين يدي أبي جعفر عليه السلام لا يلتفت إليه لا يميناً و لا شمالاً، ثم رفع رأسه عليه، و قال عليه السلام : (اتقِ الله يا ذا العثنون)، قال: فسقط المضراب من يده و العود فلم ينتفع بيده إلى أن مات.

3- و رغم الحقيقة الراسخة في عصمة الإمام عليه السلام إلا أن المأمون كان قادراً على الاستفادة من وجود الإمام في قصر الخلافة من الجهة الإعلامية ليعكسها بشكل سلبي على الشارع الشيعي، و قد واجه الإمام عليه السلام ذلك أيضاً و اسقطه، فقد روي عن الحسين المكاري قال: دخلت على أبي جعفر ببغداد و هو على ما كان من أمره، فقلت في نفسي: هذا رجل لا يرجع إلى موطنه أبداً و ما أعرف مطعمه؟ قال: فأطرق رأسه ثم رفعه و قد أصفر لونه.

فقال عليه السلام: "يا حسين خبز شعير و ملح جريش في حرم رسول الله أحب إلي مما تراني فيه".

4- لم يستطع المأمون أن دفع الشيعة للسقوط في مخططاته و سياساته و الاستفادة منهم كأتباع خانعين لسلطان بني العباس، بل على العكس فقد استفاد الإمام الجواد عليه السلام من هذه السياسة في تقوية المشروع الإسلامي الأصيل و ترسيخ دعائم اهل البيت عليهم السلام.

﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَ يَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾5

و استمر المأمون بسياسته هذه يحصد الفشل تلو الاخر إلى أن توفي و حكم بعده أخوه المعتصم، فسار مدة بسيرة المأمون، و لكنه سرعان ما فقد الأمل ايضا من تحقيق أهدافه، و فهم الآثار التي تحصل بسبب هذه السياسة التي لم تزد مخططاته إلا ضعفاً و سلطانه الا وهنا والشيعة إلا علوا و متانة، و أحس بالاحباط و الفشل فتخلى عن سياسته هذه وعاد الى سياسة اسلافه القائمة على استخدام الحديد و النار شان كل ضعيف لا يقدر على مواجهة الكلمة و الفكر، فدس السم للامام الجواد و استشهد عليه السلام عن عمر لم يتجاوز الخامسة و عشرين عاماً.
 
رقم: 714425